الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

126

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإضافي من شأنه ردّ اعتقاد المخاطب بجملة القصر لزم اعتبار ردّ اعتقاد المشركين بالقصرين . فالقصر الأول لإبطال ما يلبسون به على الناس من أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم يدعو إلى التوحيد ثم يذكر اللّه والرحمن ، ويلبسون تارة بأنه ساحر لأنه يدعو إلى ما لا يعقل ، قال تعالى : وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 4 - 5 ] فيكون معنى الآية في معنى قوله تعالى : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 9 ] وقوله تعالى : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [ الزخرف : 45 ] . ثم إن كلا القصرين كان كلمة جامعة لدعوة الإسلام تقريبا لشقة الخلاف والتشعيب . وعلى جميع هذه الاعتبارات تفرع عليها جملة فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . والاستفهام حقيقي ، أي فهل تسلمون بعد هذا البيان . وهو مستعمل أيضا في معنى كنائي وهو التحريض على نبذ الإشراك وعلى الدخول في دعوة الإسلام . واسم الفاعل مستعمل في الحال على أصله ، أي فهل أنتم مسلمون الآن استبطاء لتأخر إسلامهم . وصيغ ذلك في الجملة الاسمية الدالة على الثبات دون أن يقال : فهل تسلمون ، لإفادة أن المطلوب منهم إسلام ثابت . وكأنّ فيه تعريضا بهم بأنهم في ريب يترددون . [ 109 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 109 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 ) أي فإن أعرضوا بعد هذا التبيين المفصّل والجامع فأبلغهم الإنذار بحلول ما توعّدهم اللّه به . والإيذان : الإعلام ، وهو بوزن أفعل من أذن لكذا بمعنى سمع . واشتقاقه من اسم الأذن ، وهي جارحة السمع ، ثم استعمل بمعنى العلم بالسمع ثم شاع استعماله في العلم مطلقا . وأما ( آذن ) فهو فعل متعد بالهمزة وكثر استعمال الصيغتين في معنى الإنذار وهو الإعلام المشوب بتحذير . فمن استعمال أذن قوله تعالى : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ